Overblog Tous les blogs Top blogs Technologie & Science Tous les blogs Technologie & Science
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
فلسفة تحليل نفسي

دروس تأملات مقالات

الدولة

في مفهوم الدولة

 

يسرد أورويل (جورج) في رواية 1984 حوارا بين أوبرين و ويلسون ( من شخصيات الرواية) يناقش تصورين مختلفين للغاية من السياسة أو الحكم هل تقوم في قيادة الناس لما فيه صالح حالهم أو في السلطة، مهما كانت وضعية القوى السياسية، أكانت حاكمة أو تطالب بالحكم. و لفظ السياسة في لغة العرب من ساس الحصان أي قاده إلى حيث الماء. فالأصل في الفعل السياسي قيادة الناس و تنظيم شؤونهم وقضاء مصالحهم. غير أن تجارب البلدان في السياسة و تجارب الشعوب تبين كيف أن الحصان لا يقاد دائما نحو مكان الماء ليشرب و إنما يغدو" كالعير في البيداء يقتلها الظما** و الماء فوق ظهرها محمول." إذ عوض أن تكون السياسية خيرا على المقود تصبح نكالا عليه ووبالا .

تشكل الدولة الجهاز الذي يحتكر السلطة السياسية بحيث أن مؤسساته هي التي تراقب و توزع و تدير حركة الفاعلين السياسيين بحسب أدوارهم و مراتبهم... و هي الحركة التي تتحدد بحسب نظام الدولة السياسي( يمكن أن نميز مثلا في النظام الملكي بين الملكية المطلقة و الملكية البرلمانية أو الدستورية...) وهنا تتباين الغاية من الدولة و طبيعة سلطتها السياسية و صور مشروعيتها. فإذا كانت السلطة السياسية تعني حكم الدولة الذي يخضع له المواطن و هو ما يؤثر في حريته، فهل سلطة الدولة تتعارض مع الحرية الإنسانية أم أن الدولة غايتها الأولى ضمان حرية المواطن و تأكيدها؟ كيف تدبر الدولة سلطتها السياسية؟ هل على أساس التوسط و الاعتدال، كما يرى ابن خلدون، أم من منطلق القوة و القانون، كما يرى ميكيافلي؟ من أين تستمد الدولة سلطتها على المجتمع السياسي؟ هل المجتمع السياسي هو مصدر السلطة السياسية أم أن الدولة تفرض سلطتها بالعنف؟

تلك إذن قضايا ثلاث تؤسس منطلق فهم و نقد حضور الدولة في وجود الناس. أعني قضايا الغاية من الدولة و طبيعة السلطة السياسية و أساس الدولة بين الحق و العنف
.

أولا، في الغاية من الدولة
،

في الفصل السادس عشر من كتاب "رسالة في اللاهوت و السياسة"1 يتساءل اسبينوزا(باروخ) عن حدود الحرية الفردية في الفكر و الرأي داخل أفضل الدول، و بعد أن يحدد أساس الدولة كغاية توحد الناس و تجعلهم يعيشون في أمن و استقرار من خلال إخضاع حريتهم و حقهم الطبيعي في السلوك و الوجود الذي تحكمه الشهوة و القوة لسلطة الدولة كضرورة عقلية يؤكد اسبينوزا بأن الغاية من الدولة- و يعني هنا الدولة الديموقراطية- هي إخضاع الناس لإملاءات العقل ما أمكن، وهنا يتحدد معنى الحرية الحقيقي، أي التصرف و فق ما يقتضيه العقل لا الطبيعة. و منه فلا تعارض عند اسبينوزا بين الخضوع لسلطة الدولة الديموقراطية و الحرية الإنسانية التي هي غايتها و مبدأها.

أما الفيلسوف الألماني هيجل (فريدريك) فيعتبر بأن الدولة قبل أن تتحقق كتجربة واقعية من خلال الأعراف أو القوانين فإنها تحكم، على نحو غير مباشر، وعي الفرد و نشاطه و هذا يقتضي أن الانتماء إلى الدولة ليس اختيارا بل واجبا و ضرورة، يقول هيجل في كتابه" أصول فلسفة الحق"2 :" إن الاتحاد الخالص و البسيط هو المضمون الحقيقي و الهدف الصحيح للفرد، و مصير الفرد هو أن يعيش حياة كلية جماعية" لأن العقل يؤكد على الوحدة التامة و الكاملة بين الكلي و الفردي، فالحرية الفردية يجب أن تتوحد مع حرية الإرادة الكلية و من تم لا بد، عند هيجل، من الدولة بحكم المنطق و العقل قبل حكم الواقع و التاريخ

الدولة يختلف دورها عن دور المجتمع المدني. الذي يهتم بالحياة الاقتصادية و الخدمات....التي هي مناط حركة الناس اليومية المشتركة.. .

إذن، يختلف كل من اسبينوزا و هيجل في تصورهما للغاية من الدولة. الغاية من الدواة هي الحرية المشروطة بالعقل عند الأول وهي غاية في ذاتها عند هيجل. لكن كيف يمكن ممارسة سلطة الدولة، بصورة لا تتنافى مع سيادتها و لا تتعارض مع حرية الأفراد في نفس الوقت؟


ثانيا، في طبيعة السلطة السياسية

 

السياسة، في مبدئها، تدبير للعلاقة بين الراعي و الرعية و في واقعها صراع بين قوى المجتمع الواحد أو قوى الدول المختلفة( النظام العالمي الجديد يشهد صراعا بين إرادة فرض سلطة الولايات المتحدة الأمريكية و إرادة قوى أخرى معارضة لهذه الإرادة كإيران و الصين) بغاية السلطة. و لأن منطق العلاقة في السلطة السياسية يقتضي سلطانا و رعية، حاكما و محكوما، ففي أي اتجاه تدبر هذه السلطة؟ هل في اتجاه الحفاظ على العروة التي تربط بين الراعي و الرعية بما يبقي للراعي بقاءه و للرعية مصلحتها أم في اتجاه تدبير يراهن على السلطة بالقوة و الدهاء؟

أولا، رأي ابن خلدون:

يقول ابن خلدون في "المقدمة"3:" اعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته و جسمه و حسن شكله... أو اتساع علمه...و إنما مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم. فحقيقة السلطان أنه المالك للرعية القائم في أمورهم عليهم... فإن كانت هذه الملكة و توابعها من الجودة بمكان حصل المقصود من السلطان على أتم الوجوه فإنها إن كانت جميلة صالحة كان ذلك مصلحة لهم و إن كانت سيئة متعسفة كان ذلك ضررا عليهم و إهلاكا لهم." وهذا التدبير يستتبعه أن يقوم كيان الدولة على لحمة و عروة تصلح بها و يشد عضدها. و في حال فسد حال السلطان في علاقته بالرعية و لم يرفق بها: " فإن الملك إذا كان قاهرا باطشا بالعقوبات...شملهم الخوف و الذل و لاذو منه بالكذب و المكر و الخديعة... و ربما خذلوه في مواطن الحروب و المدافعات ففسدت الحماية بفساد النيات... فتفسد الدولة..." فواضح أن السلطة، في اعتقاد ابن خلدون، طبيعتها العدل بالرعية و السعي في مصلحتها لأن في ذلك صلاح الملك و استمراره.

ثانيا، رأي مكيافيللي (نيقولاي)

غير أن السياسي و المفكر الإيطالي مكيافيللي(نيقولاي) يعتقد رأيا مخالفا في ما ينبغي أن تكون السلطة السياسية عليه. فهي مجال للصراع بين القوى حول من يستبد بها لذلك على الأمير أن يراهن على الشدة في سلطته كلما كانت في مصلحة مواطنيه، فالإفراط في اللين و الرفق غالبا ما يؤدي إلى الإضرار بأمن الدولة و ولاء المواطنين. و في هذا السياق يميز مكيافيللي بين طريقتين في القتال" واحدة لها قواعد و قوانين و الأخرى تعتمد على القوة فقط"4 و على الأمير أن يتقن استعمالهما بحسب الظروف و بحسب الغاية التي تبرر الوسيلة في جميع الأحوال.


ثالثا، الدولة بين الحق و العنف

من أين تستمد الدولة الشرعية في بسط سلطتها السياسية على المجتمع؟

- الدولة و العنف، أطروحة فيبر (ماكس):

يعرض فيبر في كتابه:" العالم و السياسي" تصوره للدولة المعاصرة باعتبارها تجمعا بشريا يحتكر حق و مشروعية ممارسة العنف المادي ضمن نفوذها الترابي. و هذا يعني أن حق ممارسة العنف و إعطاء المشروعية لممارسته يندرج ضمن سلطات الدولة، بحيث أن من يمارس العنف بدون موافقتها هو خارج الشرعية. يؤسس فيبر أطروحته هذه منطلقا من حصره لمفهوم السياسة باعتبارها فعل "قيادة تجمع سياسي يسمى اليوم بالدولة" و التي يعرفها سيسيولوجيا- في التجربة المعاصرة- من خلال وسيلتها المفضلة في ممارسة السلطة" ألا و هي العنف المادي" و بعد ذلك ينتقل ليؤكد أن العنف أساس وجود الدولة و بدونه تختفي و تسود الفوضى، و هو ما يفسر الصراع بين الدولة و من يعارضها حق احتكار العنف أو ينازعها فيه. أو ليس العنف السياسي الذي يسود العالم اليوم نتيجة لهذا الصراع حول امتلاك حق ممارسة العنف سواء داخل الدولة الواحدة أو بين الدول أو الحركات السياسية المختلفة.

- الدولة و المشروعية الاجتماعية أطروحة العروي (عبد الله)

في قراءته للدولة القائمة في المجتمعات العربية يستنتج المفكر المغربي " عبد الله العروي" أن هذه الدولة تمثل استمرارا للدولة السلطانية التي تنفصم فيها العلاقة السياسية بين السلطان و المجتمع. و من الأوجه الدالة على استمرار الإرث السلطاني في التجربة السياسية للدولة العربية عدم وجود مجتمع سياسي توجهه إيديولوجيا موحدة، أي نسق أفكار يستمد منه سياساته في الحكم و الاقتصاد و الثقافة.... صحيح أن السلطان، ملكا أو رئيسا، يهيمن على السلطة في مستوياتها المختلفة و يسري حكمه في الرعية من غير أن يكون للرعية قرار في اختيار السلطان لكن النسق السياسي العربي في اشتغاله و في آليات ممارسته للسلطة تنعدم فيه حرية الاختيار بالنسبة للفرد، يقول العروي" ما من دولة سلطانية إلا و الفرد مستعبد فيها، بل إن الفرد داخل الدولة مستعبد بالتعريف". و بالمقابل يرى عبد الله العروي أن الدولة الحديثة و الديموقراطية من مياسمها دمقرطة المؤسسات و وطنتيها، فهي مطلب بالنسبة إليه.

نفس التشخيص نجده عند عبد الله حمودي، و بتأويل مختلف عن قراء العروي التاريخية و المقارنة للدولة العربية.
يؤكد عبد الله حمودي في كتابه "الشيخ و المريد" أن القرن العشرين شهد تكريس الدولة المتسلطة في العالم العربي. و هو ما تعبر عنه خمسة مظاهر رئيسية، أبرزها احتكار وتداول السلطة بين عدد قليل من الأفراد و منع المجتمع المدني من سلطة الرقابة و المحاسبة.

يتبنى عبد الله حمودي تأويلا أنطربولوجيا للتسلط في الدولة العربية. هذا التسلط انعكاس للتسلط الذي يميز النسق الثقافي للمجتمع العربي كمجتمع أبوي يتحكم فيه الأب باعتباره المركز و القانون. فعلاقة الدولة العربية بالمجتمع هي نفس العلاقة بين الشيخ و المريد في الأدبيات الصوفية، مبنية على التبعية و الولاء الأعمى. يقول عبد الله حمودي:" و باختصار فأنماط التسلط التي تحكم المجتمعات العربية تحيل على ثنائية متأصلة في العلاقة بين الرجال و النساء".

 

و نعتقد نحن، من جهتنا، أن سؤال الدولة لا ينحصر في طبيعة النظام السياسي و مرجعيته كانت تقليدية أو حداثية و إنما يرتبط أولا وقبل كل شيء، بنوع الإرادة السياسية و موجهاتها هل تتعارض مع غايات الإنسان-المواطن، مع حريته و كرامته، مع قيم العدالة و الحق، أم تنسجم معها بالتصور الذي تستجمع بعض سماته تجربة دولة الحق و القانون في التاريخ الإنساني ككل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1- رسالة في اللاهوت و السياسة، سبينوزا (باروخ) ترجمة: حنفي( حسن)، دار التنوير بيروت, ط الأولى، 2005

2- أصول فلسفة الحق، هيجل (فرديريك) ترجمة إمام عبد الفتاح إمام 1996

3- مقدمة ابن خلدون

4- "الأمير"، ميكيافيلي( نيقولاي)

 

 

 

Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article