Overblog Tous les blogs Top blogs Technologie & Science Tous les blogs Technologie & Science
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
فلسفة تحليل نفسي

دروس تأملات مقالات

الحقيقة

 

الحقيقة

ذ. عبد السلام أولباز

ث, محمد السادس، ورزازات

الحقيقة رهان كل خطاب، فإذا كان العلم، في تاريخه،     حركة نحو امتلاك الحقيقة فإن ذلك لا يعنيه لوحده و إنما الحقيقة عند كل الناس مطلب و معيار يحكم الرأي و يقيس السلوك. و هذا يفترض أحد أمرين؛ إما أن الحقيقة تتعدد بتعدد الآراء و إما أن الحقيقة غاية تتفاوت قدر الناس و مستويات الخطاب في تصورها و إدراكها- كما يؤكد ذلك ابن رشد في كتابه "فصل المقال و تحقيق ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال"- فأي علاقة بين الحقيقة و الرأي؟ هل الرأي محل للحقيقة، في البدء و في الانتهاء، أم أن الحقيقة حكم معرفة تتعارض مع الرأي أو تتجاوزه؟ ما معيار الحقيقة؟ هل الحقيقة معيار ذاتها أم أنها معرفة تقاس بما يستدل عليه عقلا و ينبني على جهد تتضافر فيه المنطلقات الإبستيمولوجية – كما رأينا في العلم المعاصر -؟ ثم إن الحقيقة موضوع صراع بين الخطابات و ذلك لما تمثله من سلطة، و هي سلطة ذاتية في المبدأ لكن واقع الصراع في تاريخ المجتمعات و في علاقات الأفراد يوجه الحقيقة بسلطة من خارجها أي بقوة تأثير تفرض ما يجب أن يكون حقيقة،  بحيث  يصبح العنف نقيض الحقيقة و ليس الخطأ – كما يظن فايل(إريك)؛ فهل قيمة الحقيقة في سلطتها الذاتية و في صراعها مع الخطأ، نقيضها المنطقي، أم في سلطة من خارجها تفرض على الحقيقة أن تقدم خدمات سياسية و اقتصادية و إيديولوجية....؟

المحور الأول: الحقيقة و الرأي

الرأي، في تعريف ممكن، اقتناع شخصي أو جماعي يخص موضوعا تختلف مؤسساته بين ما هو محل وعي و ما ينفلت منه، بين ما هو موصوف بالدليل و ما هو موصوف بالعفوية و الاعتباطية.... و لما كان واقع الناس موسوما بالجدال و السجال فيما يخص تصوراتهم فإن ذلك مرده، غالبا،  اختلافهم و تباينهم في الآراء و اعتبار كل منهم رأيه أنه الحق أو الأقرب إليه. و هو ما يتعدى أحوال الناس في أمور الدين و السياسة و الأخلاق و الاقتصاد... إلى المعرفة ، بمعانيها المخصوصة مثل العلم. و هنا يطرح التساؤل حول حضور الرأي في المعرفة العلمية.

الرأي و الحقيقة في العلم

يقول الابستيمولوجي الفرنسي باشلار(غا ستون) في كتابه "تكوين الفكر العلمي" :" إن العلم، في مبدئه و في سعيه نحو الاكتمال، يتعارض مطلقا مع الرأي. و لو حدث أن منح العلم المشروعية للرأي فلأسباب تختلف عن التي يقوم عليها الرأي. إن الرأي لا يفكر؛ فهو يترجم حاجات إلى معارف..." أي أن باشلار يعتبر الرأي يعبر فقط عن اليومي في تجربة الإنسان و لا يتأسس على قواعد علمية وبالتالي فمشروعيته قد يستمدها من حكم العلم عليه لا من سياق تداوله الخاص. لكن الفيلسوف الفرنسي بليز بسكال يعتبر بأن الحقيقة محلها عند الناس ما يتبادر في قلوبهم من معارف يحدسونها بغير حاجة إلى استدلال كأن يدرك المرء بأن أبعاد المكان ثلاثة و أن أضلاع المربع أربعة....و هو رأي لا يسلم من اعتلال لما في مدارك الناس- مهما صفا الرأي عندهم و اتضح- من تفاوت و من احتمال الشك و الخطأ و تدخل النوازع و الأهواء... بل إن العلم- و بالرغم من دقة الاجتهاد فيه و صرامة الاستدلال- تاريخه حركة صوب الحقيقة يخالطها الصراع ضد نقيضها الخطأ... فكيف نميز الحقيقة عن ما دونها؟ هل للحقيقة معايير و مقاييس؟

المحور الثاني: معايير الحقيقة.

الفلسفة سعي نحو الحقيقة  أي نحو كمال قد يرتقي به الإنسان إلى مراقي "الآلهة" و يتجاوز النقص الذي يحكم أبعاد وجوده. هذا يعني أن الحقيقة تفرض نفسها إما لذاتها و إما لأنها تستقصى بالنظر العقلي. فكيف تدرك الحقيقة؟ هل الحقيقة معيار ذاتها كما يظن سبينوزا أم أنها كل معرفة تقوم على النظر العقلي كحدس و كاستنباط، كما يعتقد ديكارت؟

أولا، أطروحة اسبينوزا(باروخ)

ستدل اسبينوزا على موقفه بأن الحقيقة معيار ذاتها من خلال الاستدلال التالي:

م1- تعريفه للجوهر substance " الجوهر، في تصوري، هو الموجود بذاته ويدرك من خلال ذاته"؛

م2- مفهومه عن الله". الله في تصوري، موجود مطلق وجوهر بصفات خلود تدل على حقيقته اللامتناهية؛

م3- مفهومه ل «الفكرة الصحيحة" " الفكرة الصحيحة هي المعرفة الكاملة بالشيء أو المعرفة به على أفضل صورة" أي معرفة الأشياء في ارتباطها السببي بالأشياء الأخرى وفي علاقتها بصفات الله، وهذا هو المهم، وبالقوانين المطلقة للطبيعة التي تتبع هذه الصفات مباشرة؛

أي أن المعرفة الصحيحة تعني المعرفة بالضرورة الكامنة في الطبيعة وتعبر عنها أفكار ملائمة تبرز كيف يرتبط الشيء ضرورة بصفة من صفات الله الخالدة فيه.

م4-"من طبيعة العقل أن يدرك الأشياء في ترابطها الضروري فيما بينها.

يمكن إذن أن نستنتج معيار الحقيقة عند اسبينوزا. الحقيقة هي الفكرة الصحيحة التي تلائم موضوعها تلاؤما ضروريا بمقتضى تمثل العقل الذي يدرك الموضوعات في تلازمها الضروري مع قوانين الطبيعة المنسجمة مع الصفات المطلقة للوجود الإلهي إدراكا كاملا أو على أفضل صورة. أي أن معيار الحقيقة هو ملاءمة الفكر للموضوع في حدوثه الضروري وخضوعه للطبيعة وللإرادة الإلهية المطلقة. وبالتالي فالحقيقة كلما أدركت وانكشفت للفكر على هذا النحو فهي معيار ذاتها ومعيار للخطأ.

ثانيا، أطروحة ديكارت (رونيه)

الحقيقة عند ديكارت هي كل معرفة تصمد أمام تجربة الشك و الشك عنده منهج يوصل إلى لحظة البداهة و الوضوح أي اللحظة التي يزول فيها كل شك و تصمد فيها كل الأحكام أو تزول. فمعيار الحقيقة عند ديكارت، إذن، هو الوضوح و البداهة في المعارف و التي يؤسسها في فكر الناس منهج يعتمد الحدس و الاستنباط.

و عليه فإن الحقيقة تتباين معاييرها عند الفلاسفة و هو ما يؤكد أحد أمرين؛ إما أن الحقيقة واحدة تتعالى عن الذوات التي تتباين في تقدير معاييرها و طرق الوصول إليها و إما أن لكل حقيقته و لكل معاييره في تقديرها.

 

المحور الثالث: الحقيقة بوصفها قيمة

 

يتبين للمتأمل في تداول الناس لمفهوم الحقيقة أنها تتخذ عندهم قيمة  ترتبط بما تسديه من خدمات. و لما كان المبدأ في طلب الحقيقة نشدان الكمال في المعرفة والفضيلة في الأخلاق، و هما المطلبان اللذان يستغرقهما مفهوم الحكمة  -و لذلك كانت الفلسفة عند الإغريق محبة الحكمة- فإن واقع الحال يشهد أن الحقيقة تتحول إلى مجال تتصارع في مداره الخطابات. بحيث لم تعد الحقيقة مطلب معرفة تطابق موضوعها بقدر ما غدت موضوع تحريض سياسي و عسكري و اقتصادي و ثقافي....كما يظن المفكر الفرنسي فوكو ميشيل. إذن يتفارق في تداول الناس لقيمة الحقيقة  تصوران, تصور أخلاقي و تصور براغماتي.

يستعير المفكر الفرنسي فوكو (ميشيل) مفهوم الاقتصاد السياسي كمفهوم يدل على كيفية تدبير الثروة الاقتصادية في مجتمع معين من جهة مصادر إنتاجها و توزيعها و استهلاكها ليبين بأن تداول خطابات الحقيقة في المجتمعات المعاصرة هو كتداول الثروة الاقتصادية  لها مؤسسات إنتاج و قنوات توزيع و جهات استهلاك. فالحقيقة أولا تختزل في الخطاب العلمي الذي يفرض نفسه كسلطة و كمعيار كل حقيقة, و هي، ثانيا، تنتج داخل مؤسسات عسكرية و جامعية و سياسية... توجهها غايات و أهداف السلطة، أي مختلف قوى التأثير المشروعة و غير المشروعة، الخفية و العلنية، و الحقيقة، ثالثا، موضوع تحريض اقتصادي و سياسي و عسكري و قيمي.... و الحقيقة رابعا، محل نقاش في مستويات الصراع السياسي  و الاجتماعي... و هي، في الأخير، موضوع نشر و استهلاك إعلامي و تربوي.

و هذا يعني، عند فوكو، أن الحقيقة تتماهى داخلها سلطتان؛ سلطة الحقيقة الذاتية و سلطة الاقتصاد و السياسة..... و هو ما يجب تخليص الحقيقة منه.

تتحول سلطة الحقيقة بحسب، فايل إريك، إلى عنف يتمأسس على فكرة فرض الخطاب الوحيد و نفي التعدد الذي هو واقع و حال في اعتقادات الناس وفي مللهم، في سياساتهم و أنماط عيشهم..... و هو ما يقتضي، عند فايل، قبول الاختلاف كحقيقة و رفض منطق العنف الذي يرتبط بإرادة فرض الخطاب الوحيد و إقصاء الخطابات المخالفة بالقوة. فليس الخطأ هو نقيض الحقيقة و إنما العنف. الحقيقة ليست هي مطابقة الفكر للواقع بل هي مطابقة الفكر للإنسان، يقول فايل. و هو ما يعني أن الحقيقة هي حقائق تتعدد و تختلف تعدد الإنسان و اختلافه في العالم. لا ينبغي إذن تضييق أفق الحقيقة و اختزاله في مطابقة ما هو حق من جهة الفكر أو الواقع بل يجب توسيعه بحيث يتوافق مع الإنسان في اختلافه و تعدده.

لكن، و مع أننا نتفق في  رفض العنف، فإن الحقيقة إذ تتداول في سياق المعرفة بغرض يمكن الإنسان من التفكر في المعنى الذي يحتمله و جوده الكلي و وجوده الخاص فيما وراء فهم و تفسير ظواهره و التحكم فيه وهنا تتخذ الحقيقة قيمتها وحضورها في وجود الناس.

 

 

 

 

 

Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article