دروس تأملات مقالات
19 Juin 2009
>بسم الله الرحمن الرحيم
الخطأ في العلاقة الديداكتيكية
ذ. عبد السلام أولباز
ا
تقوم العلاقة الديداكتيكية، في التجربة المعاصرة، على نقل جسد من المعارف و المهارات أو الكفايات، داخل سياق المؤسسة المدرسية بمختلف الفاعلين المتدخلين فيها، إلى التلاميذ لتحقيق انتظارات- معلنة و غير معلنة- تحددها المرامي و الغايات الكبرى للدولة عبر السلطة المخولة للهيئات التربوية.
و حيث أن هذه البرامج الحاملة لهذه الانتظارات تتوجه إلى عقل فارغ منها، أي التلميذ، بالنظر إلى الفرق في الحالة المعرفية بين الأستاذ كوسيط ناقل لتلك الانتظارات و حاصل على تكوين يؤهله لذلك و بين التلميذ القابل لتلقيها، فإنه، من الطبيعي، أن تحدث انقطاعات بين لحظة النقل للمادة العلمية التي يقوم بها المدرس ولحظة الاستقبال لدى المتمدرس. و هو الأمر الذي استقر الحكم التربوي، منذ عهود قديمة- على نعثه بالخطأ. و المخطئ، في جيمع الحالات، هو التلميذ. ولعل ما يفسر ذلك هو أن عمليات التقويم منمطة بمعايير تقصي المخطئ وفق صنافة فوقية لا تقبل الخطأ و لا تتحمله.
غير أن المنطلقات المعرفية الجديدة، المستفيدة من الطفرات العلمية في ميادين علوم المعرفة على وجه التحديد، تقارب هذه الانقطاعات/الأخطاء مقاربة جديدة تركز في عنوانها الأبرز على استثمار الخطأ في بناء ذات التلميذ في مختلف الأبعاد.
يأخذ هذا البحث، إذن كموضوع له، سؤال الخطأ في العلاقة الديداكتيكية. منطلقا في مقاربته من بعض التصورات و الدراسات العلمية، الأساسية و التطبيقية، التي تناولت الموضوع ليستنتج منها عددا من الفرضيات الممكنة نحو مقاربة ديداكتيكية ناجعة للخطأ في السياق التربوي للمدرسة المغربية.
المبحث الأول: الخطأ في العلاقة الديداكتيكية، منطلقات نظرية.
1- دلالة الخطأ في منظور علم النفس المعرفي:
تؤكد عدد من الأبحاث في علم النفس المعرفي على أن الفشل في إنجاز المهام التجريبية من طرف مجموعة من أفراد العينات التي يقع اختبارها لا يرجع إلى خلل في القدرة المعرفية أو المهارية لهؤلاء و إنما يرجع إلى سوء التفاهم بين عالم النفس و المفحوص. فعندما يخطئ، هذا الأخير، فبسبب قراءة شخصية، يظن بأنها صحيحة للمهمة التي يختبر فيها ولمختلف عناصر الموقف التجريبي . لذلك، تنصح هذه الأبحاث بضرورة مقاربة تمثلات التلاميذ وتصحيحها، أول الأمر، بحيث يركز المدرس على الفهم الصحيح للمطلوب قبل إنجازه.
و في كتاب: "l’erreur à l’école" 1 يمكن أن نقرأ ما يمثل انعكاسا لهذه النتيجة:
" يشكل الخطأ الحجر الأساس في المعالجة الديداكتيكية. فهو ضروري لكي يتمكن التلميذ من اكتساب ثقافة عالمة بدون تحويل أو تغيير" 2 وهو ما يعبر عنه المفكر الفرنسي موران(إدغار) بصيغة أخرى: " يجب على الفعل التربوي أن يبين بأنه لا وجود لمعرفة، مهما كانت درجتها، لا يهددها الخطأ و الالتباس". 3
يتعلق الأمر هنا بثورة بيداغوجية في تصوراتنا للخطأ. فبعدما كانت الممارسة التعليمية تعتبر الخطأ عائقا أمام التعلم بحيث نصنف التلاميذ بحسب قدرتهم على عدم الخطأ أصبح الحديث اليوم عن الخطأ كمحرك للتعلم. و هو الأمر الذي سينعكس على صور تقييم أداء التلاميذ: فهل التلميذ الخطاء هو بالضرورة تلميذ سيء؟
يؤكد علم النفس المعرفي بأن الإنسان يتمتع، فطريا، بقدرات معرفية. كل فرد له القدرة على التعلم أي القدرة على استدعاء عمليات ذهنية بغاية بناء معارف و مهارات. و الاختلاف بين الأفراد يتكون، بعديا، بحسب المجال المعرفي و بحسب مختلف الاستراتيجيات المتبناة في سيرورة التعلم. فاللغة، على سبيل المثال، و التي تتحدد كوظيفة ذهنية، حيث يملك كل فرد القدرة اللغوية لكننا نوظف انساقا مختلفة من الرموز والعلامات اللسانية أي أن الفرق يتحدد على صعيد المحتوى المعرفي و ليس على صعيد القدرات3.
تسمح لنا هذه النتيجة العلمية بأن نصوغ الفرضية التالية:
إن الخطأ قد لا يكون موقفا ناشئا عن غياب أو ضعف القدرات التعلمية عند التلاميذ بل قد يكون ذا علاقة بالسياق المعرفي للتعلم. و بالتالي فمن الواجب الاشتغال على الخطأ، ديداكتيكيا،في المستويات التالية:
- مستوى المادة المعرفية، أي مناسبة هذه المادة للنمو المعرفي للتلميذ؛
- مستوى المنهج، أي توخي الوسائل و الوضعيات التي تمنع الخطأ من الظهور أو تمكن من توظيفه لتجاوز صعوبات التعلم عند التلميذ؛
- مستوى التقويم، أي تجاوز أحكام القيمة الأخلاقية التي تولد لدى التلميذ صورا من الإحباط النفسي التي تكبح تمظهر فعاليته المعرفية.
2- الخطأ في منظور البنيوية البياجيتية 4
يعتبر عالم النفس السويسري بياجي(جان) بأن المعرفة الإنسانية تنمو تدريجيا تبعا لأطوار معرفية و وفق آليتين اتنثين: الاستيعاب و الملاءمة. فالفرد يدرك معطيات الموقف و يستدخلها ثم يقوم بتطبيق بنيات ذهنية تكونت عبر تجريد المعطيات المستدخلة لمعالجة الوضعيات الجديدة. إن الخطأ، في منظور هذه النظرية، يخفي نمو الطفل، بمعنى انتقاله إلى طور ذهني أكثر تقدما. الخطأ، بهذا المعنى، علامة على النمو المعرفي، إذن.
غير أن النظرية البنيوية تتحدث عن الخطأ المتواري و هو ما لا يسمح بالاشتغال ديداكتيكيا على الخطأ في حين تفرض بيداغوجيا الخطأ عزله و الجهر به للاشتغال عليه و تجاوزه.
3- أصناف الخطأ بحسب Jp Astolf5
يعتبر أسطولفي(ج.ب) بأن الخطأ هو " الأداة الموظفة في اكساب المعارف من طرف المدرس" و هو ما يعني بأن الخطأ يبني مكتسبات التلميذ إذ يجب على المدرس توظيفه و استثماره. و إن الخطأ كل الخطأ في نكرانه و إهماله.
يصنف أسطولفي الأخطاء إلى ثمانية أصناف:
" 1- أخطاء الفهم، فيما يتعلق بتعليمات المدرس؛
2- أخطاء ناجمة عن إساءة فك رموز العقد الديداكتيكي؛
3- أخطاء شاهدة على التمثلات الذهنية للتلميذ؛
4- أخطاء مرتبطة بطبيعة العمليات العقلية؛
5- أخطاء صادرة عن نوعية الاستراتيجيات المتبناة من طرف التلميذ؛
6- أخطاء ناتجة عن حمولة معرفية زائدة؛
7- أخطاء تؤدي إليها عدم مقاربة التلاميذ بين الأدوات المستعملة في مادة ما و الأدوات المكتسبة في مادة مخالفة؛
8- أخطاء مصدرها صعوبة المحتوى و تعقده؛
بملاحظتنا لهذا الإحصاء نجد بأن الخطأ يمكنه أن يطال جميع مستويات العلاقة الديداكتيكية:
تلميذ- مدرس- مادة التدريس- العمليات المعرفية .
من البعد المعرفي الخالص إلى البعدين الوجداني و الاجتماعي.
المبحث الثاني: كيف يمكن للمدرس بمعية التلميذ أن يتصرفا لكي يستفيدا من الخطأ؟
هذا المبحث هو بؤرة اشتغال هذا البحث. ونظرا لأن الأمر يتطلب مقاربة منهجية علمية دقيقة نكتفي في هذه الورقة بطرح تصور ممكن للأشتغال الديداكتيكي على الخطأ، تصور افتراضي يقتضي التحقق من قيمته العلمية بحثا أكثر عمقا.
نعتقد بأن تدخل المدرس في اشتغاله على الخطأ يجب أن يهم مستويين على الأقل:
- المستوى الأول: خلق الوعي بالخطأ، لدى التلميذ، من حيث صنفه و من حيث بنيته لأن الخطأ هو جملة من العناصر المركبة و المتقاطعة بشكل جيد. فالتلميذ الذي يعي جيدا أخطاءه يدخل في صراع سوسيو-معرفي يخلق لديه توترا يميل تلقائيا إلى تجاوزه بتصحيح أخطائه؛
- المستوى الثاني: تحليل الأخطاء لكي يقرر الأستاذ التدخل الملائم لمنعه من الظهور من جديد.
لا يتعلق الأمر في تناولنا للخطأ بأمر سهل بل باجتهاد ضروري من طرف مختلف الفعاليات مهما كبرت أو صغرت مساحة تأثيرها في الفعل التربوي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع البحث:
1- يمكن الرجوع في هذأ السياق إلى مختلف كتب علم النفس المعرفي.
2- L’erreur à l’ecole : petite didactique de l’erreur scolaire ; faiard jacque et autre. Ed : laramathan 2005.
3- Ibid
4- Six étude de psychologie. Piaget (jean
5- Astolfi Jp « l’erreur , un outil pour enseigner » 1997
ورزازات في 24 دجنبر 2008