دروس تأملات مقالات
6 Avril 2015
السواد الأعظم و الحرية يعرض القرآن الكريم لما و قع بين نبي الله موسى و فرعون في شأن بني إسرائيل الذين استعبدهم فرعون، فكان يهدر دمائهم و يستحيي نسائهم. و كغيره من المستبدين، فإن الاستعباد يمر عبر هذه الثنائية، ثنائية القهر و الإذلال. أرسل الله سيدنا موسى إلى نبيه ليحرر بني إسرائيل من قهر فرعون. و النص القرآني يحفل بأدل الأحداث في علاقة النبي المرسل و الملك-المتأله. و لد موسى في زمن اشتد فيه بأس فرعون عندما كان جنوده، بأمر منه بعد نصيحة من مستشاريه، يقتلون مواليد بني إسرائيل الجدد من الذكور لأن بينهم من سيقضي على فرعون و ملكه. قمة البأس أن تحمل المرأة مولودها تسعة أشهر ليقتل عندما يولد، و قمة الجهالة أن يفتى بقتلهم و يِؤمر بسفك دمائهم خشية ضياع الملك و السلطان و قد خلت في الزمان و القرى أمم و سلاطين تألهوا أو استبدوا ثم هلكوا.. . هلك كزيربيس الفرس و النمرود وقيصر روما و الإسكندر و غيرهم. و يعلم الله كم من الأطفال قتلهم فرعون.. ولكن الذي سينهي ملكه لم يقتل. بل سيكون بين يديه و سينشأ في قصره، من حيث لا يعلم. وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ( 7 ) فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ( 8 ) وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ( 9) . سورة:"القصص". أرسل الله سيدنا موسى لفرعون ليدله على حقيقتين. أولهما أنه مجرد إنسان ضال و سلطان يمارس ذهان الألوهية بوعي أو بدونه. و ثانيهما أن يحرر بني إسرائيل من جبروته و قهره. سيؤمن فرعون في اللحظة التي انكشفت له الحقيقة عين الحق و الموت يهلكه، و موسى و قومه معه خارجون من مصر، من العبودية إلى الحرية. تتماهى هنا ثنائية الحقيقة و الحرية. لا يمكن للإنسان أن يتحرر إلا عندما تنكشف له الحقيقة. و لا يمكن لحريته أن تكون ذات معنى إلا بالحقيقة، التي تؤسس هي نفسها للحرية. غير أن الحرية صعبة التحمل، كما يقول سارتر، و ذات ثمن. لذلك لم يتحمل غالبية بني إسرائيل من قوم موسى الحرية و فضلوا الرجوع إلى مصر- ليجدوا فيها ما سألوا موسى عنه دائما المال و الذهب و المطعم المشرب..- و قد ضربت عليه الذلة و المسكنة. و كأن الله عز وجل ينبئنا بالتعارض بين الحرية و الرغبة. الرغبة نقيض للحرية عندما يصبح إشباعها غاية لا وسيلة. غير أن السواد الأعظم منا لا يتحمل الحرية و لا يستطيع أن يدفع ثمنها. في "الربيع العربي" ستتكرر هذه الحقيقة. لم يكن الشعب المصري، مثلا، يرى في ثورته إلا ما ينقله من حال الفقر إلى حال الغنى المادي فحسب... لم يكن السواد الأعظم يريد الحرية الصعبة التحمل. لذلك كان من السهل على الجيش المصري المدعم بأموال خليجية، أن يجيشه ليطيح بمن اختاره رئيسا مشروعا بحرية منفعلة- و الحرية، عند السواد الأعظم وسيلة لا غاية- و يعيد جلاديه إلى السلطة. لتضرب عليه الذلة و المسكنة. تماما كما وقع لبني إسرائيل من قوم موسى. إن أهم درس يستفيده المتأمل لحركة "الربيع العربي" هو أن مكمن الخلل ليس في الحكام دائما بل هو في السواد الأعظم الذي يقبل الاستلاب و لا يتحمل الحرية. و بذلك، فلا بد من نقل هذا السواد الأعظم من قيم مجهولة لا يرى منها إلا الشعر إلى قيم يدرك حضورها وفعلها... هذه المعادلة تتطلب حلا يكون في مستويات الوعي و الفكر و العلم و الأخلاق و الاقتصاد.. حيث يتحول كل من فرد من هذا السواد الأعظم إلى شخص يعي كرامته و يتحمل حريته. هنا يبدأ معنى الحق و تتحقق العدالة. إن ما يتعرض له السواد الأعظم في الأمة الإسلامية و كل المستضعفين من تجهيل و تخدير و تسفيه و تحقير... في السينما و التلفزة، في الغناء....في المدرسة و في كل شيء، يكشف بأن إرادة التحكم و الهيمنة تعي بأن اللحظة التي سينتفي فيها السواد الأعظم من الوجود و يحل محله شعب مجموعه الغالب أشخاص و ذوات عاقلة، مفكرة و أخلاقية، هي اللحظة التي ستزول فيها هيمنتها و تحكمها. و سيبزغ ربيع الشعوب الحقيقي. عندما شيد الصينيون سورهم العظيم ليحفظوا أمنهم تعرضوا للاحتلال ثلاث مرات خلال مئة سنة تلت تشييده، لأن أعدائهم كانوا يرشون الحارس فيدخلون بدون حاجة إلى تخطي السور. بنوا السور و نسوا بناء الإنسان. عبد السلام أولباز ورززات في 05 أبريل 2015