دروس تأملات مقالات
22 Mai 2013
مثال تحليل قولة فلسفية
"
لا يمكن للسياسة الحقيقية أن تتقدم من دون أن تكرم الأخلاق، إذ على السياسة أ ن تنحني أمام الحق ".
إيمانويل كنط
يسرد جورج أورويل في رواية 1984 حوارا بين أوبرين و ويلسون ( من شخصيات الرواية) يناقشان فيه تصورين مختلفين للغاية من السلطة. هل السلطة غايتها هي قيادة الناس لما فيه صالح حالهم أم هي السلطة ذاتها؟
لفظ السياسة في اللغة العربية فعل من ساس الحصان أي قاده إلى حيث الماء. فالأصل في الفعل السياسي قيادة الناس و تنظيم شؤونهم وقضاء مصالحهم. غير أن تجارب البلدان في السياسة و تجارب الشعوب تبين كيف أن الحصان لا يقاد، دائما، نحو مكان الماء ليشرب و إنما يغدو مثل العير في قول الشاعر
" كالعير في البيداء يقتلها الظما ** و الماء فوق ظهرها محمول"
فعوض أن تكون السياسية خيرا على المحكوم تصبح نكالا عليه ووبالا.
تتناول القولة علاقة السياسة بالأخلاق. و تبين بأن السياسة الحقيقة هي التي تحترم الأخلاق و تخضع أمام الحق.
فهل على السياسة أن تحترم الأخلاق لترقى إلى درجة الكمال أو "اللمعان الدائم" كما يقول كنط، أم أن الأخلاق ليست شرطا في الممارسة السياسية؟
يمكن تحليل قولة كنط، من خلال مكوناتها الثلاثة. المكون المفاهيمي و المكون البنائي و اللذان يمكن أن نستنتج منهما أطروحة القولة.
تتضمن القولة ثلاثة مفاهيم مفصلية هي "السياسة" و "الأخلاق" و" الحق".
السياسة هي الطريقة التي تقود بها الدولة المجتمع. أي مختلف الأفعال التي تدبر بها العلاقة بين الحاكم و المحكوم.
و الأخلاق، في فلسفة كنط، هي مختلف المبادئ و الأوامر الموجهة للعقل و للإرادة، و التي تحتكم إلى مبدأ عملي أعلى للعقل و أمر مطلق للإرادة و هو أن" الطبيعة العاقلة توجد كغاية في ذاتها"*.
و الحق، في نظر اسبينوزا، هو الحرية التي للشخص في أن يوجد و يتصرف وفقا للعقل.
تتقاطع هذه المفاهيم في القولة بواسطة لفظين دالين هما فعل " تكرم" و فعل "تنحني"، بحيث أن الفاعل لفعلي التكريم و الانحناء هي السياسة. و معنى ذلك أن تقدم السياسة و كمالها مشروطان باحترام الحق في الحرية و العقل و التعامل مع الإنسان كشخص و كغاية في ذاته وليس كوسيلة.
هذه العلاقة المتصلة بين السياسة و الاخلاق تبرز في دولة الحق كتجربة تعيشها المجتمعات الغربية المعاصرة. ففي كتابها " نظرية السلطة" تؤكد روس أن مبدأ دولة الحق هو احترام الحريات و اعتبار المواطن غاية في ذاته وليس وسيلة.
تنبني القولة، من حيث الأسلوب، شرطيا. فشرط السياسة لكي تتقدم هو "أن تكرم" الأخلاق و "أن تنحني" أمام الحق.
فهل الأخلاق شرط في السياسة أم أن الفعل السياسي مفارق للأخلاق بالضرورة؟
يؤكد اسبينوزا في كتابه " رسالة في اللاهوت و السياسة" أن الغاية من الدولة هي الحرية الملتزمة بأوامر العقل و إملاءاته و هو لذلك يفضل النظام الديموقراطي الذي يقوم على مبدأ احترام الحرية و العقل، و يلزم صاحب السلطة العليا أن يحتكم إليه في سن القوانين المدنية التي يلتزم بها الأفراد عن وعي و اختيار أو يلزمون بها في إطار سلطة قضائية عادلة و منصفة. أي أن غاية الدولة أخلاقية ما دامت الحرية من مقومات العقل الأخلاقي عند كنط.
من جهته، يعتبر المفكر المغربي عبد الله العروي في كتابه " مفهوم الدولة" أن دولة الحق هي " اجتماع وأخلاق، قوة و إقناع" حيث يجب أن يتمسك بأخلاقية الدولة و اجتماعيتها كشرطين لتهذيبها و إلا كانت الدولة متوحشة.
إن واقع الدولة العربية، في قراءة العروي، يتعارض مع مفهوم دولة الحق. ذلك أن الدولة العربية هي وريثة الدولة السلطانية، دولة القهر و الاستغلال لأنها لا تستمد مشروعيتها من الفرد و تفويض المجتمع السياسي، و لا تعتمد على أدلوجة توحد المجتمع و تضمن ولاءه الإرادي بدون عنف أو قهر.
نفس التشخيص نجده عند عبد الله حمودي، و بتأويل مختلف عن قراء العروي التاريخية و المقارنة للدولة العربية.
يؤكد عبد الله حمودي في كتابه "الشيخ و المريد" أن القرن العشرين شهد تكريس الدولة المتسلطة في العالم العربي. و هو ما تعبر عنه خمسة مظاهر رئيسية، أبرزها احتكار وتداول السلطة بين عدد قليل من الأفراد و منع المجتمع المدني من سلطة الرقابة و المحاسبة.
يتبنى عبد الله حمودي تأويلا أنطربولوجيا للتسلط في الدولة العربية. هذا التسلط انعكاس للتسلط الذي يميز النسق الثقافي للمجتمع العربي كمجتمع أبوي يتحكم فيه الأب باعتباره المركز و القانون. فعلاقة الدولة العربية بالمجتمع هي نفس العلاقة بين الشيخ و المريد في الأدبيات الصوفية، مبنية على التبعية و الولاء الأعمى. يقول عبد الله حمودي:" و باختصار فأنماط التسلط التي تحكم المجتمعات العربية تحيل على ثنائية متأصلة في العلاقة بين الرجال و النساء".
يتلازم الحديث عن العلاقة بين السياسة و الأخلاق مع تناول قضية طبيعة السلطة السياسية. فهل على صاحب السلطة أن يحتكم إلى الأخلاق في تدبير سلطته أم أن الأخلاق و الفضيلة لا مكان لهما في السياسة؟
ينصح ابن خلدون في كتابه " العبر.." الراعي بتوثيق العروة التي تربطه بالرعية. أي أن يسهر على مصلحتها. و يضمن ولاءها و حبها و أمانتها. و تستوثق العروة في نظر ابن خلدون بالعدل في الرعية و الرفق بها و التوسط في الأمور و عدم القهر و البطش بها و التنقيب عن عوراتها.
يقول ابن خلدون: " و المحمود هو التوسط كما في الكرم مع التبذير..."
و بالمقابل ينصح مكيافيللي الأمير، صاحب السلطة، بمبدأ لا يراعي الأخلاق و هو أن " الغاية تبرر الوسيلة". فلما كانت السياسة مجالا للصراع بين القوى المتنازعة على السلطة، و كانت غاية الأمير البقاء في السلطة فإن كل الوسائل المشروعة و دونها مباحة له و مبررة. على الامير أن يكون الأسد في قوته و الثعلب في مكره ليرهب الأعداء و يكيد بهم. قد ينال الثناء أمراء يحفظون العهود لا يمكرون و لا يخدعون....لكن العظمة و الغلبة ينالها الأمراء المخادعون الذين لا عهد لهم.
إذن، فبين الوصل بين السياسة و الأخلاق و الفصل بينهما، تتباين المواقف و الآراء. غير أن القولة تميز مفهوم السياسة بنعت " السياسة الحقيقية"، و هي التي تكرم الأخلاق و تحترم الحق. فهل يتعلق الأمر بتصور ميتافيزيقي و مثالي يتفارق مع الواقع وحركته؟ ألا تحتاج السياسة إلى أخلاق بالفعل، و نحن في زمن الفردانية و اليأس من تأنيس الدولة العربية، كما يقول عبد الله العروي؟
نعتقد أن السياسة وسيلة و الإنسان هو الغاية. و الإنسان أخلاق. فعلى السياسة أن تحترم الإنسان.
خلاصة لما تقدم، فإن القول في العلاقة بين السياسة والأخلاق، ينقسم بين طرفين. بين الوصل بينهما أو الفصل. و الأمر يتقدر بين الفلاسفة بحسب منظوراتهم. و فيها ينفصل المنظور البراغماتي للسياسة عن المنظور الأخلاقي. لكن التاريخ معيار. أليست الدول التي راهنت على احترام الإنسان هي الدول المتقدمة اليوم و تقدمت بالأمس؟
صحيح أن الكمال ليس رديفا لوجود الإنسان، و لكن البحث عنه هو ديدن العظماء.
عبدالسلام أولباز
ثانوية محمد السادس ورززات
الموسم الدراسي 2012-2013